محمود بن حمزة الكرماني
42
البرهان في متشابه القرآن
نواهيه ، والتمسك بهديه . ومن أهم هذه المقاصد : تحدى العالمين : العرب خاصة ، والناس عامة فيما تحداهم فيه . فمصدر الزيغ إذن هو القابلية والاستعداد عند الذين في قلوبهم مرض وهذه القابلية تدفعهم إلى تتبع ما تشابه منه ابتغاء حمله على المعاني المؤيدة لأهوائهم ، ليتمكنوا من فرض زيغهم وضلالهم على غيرهم ، مع الظهور أمام الناس بمظهر المتمسك بالكتاب والسنة ؛ وهم في الحقيقة أشد الناس تحريفا للكلم عن مواضعه ، وهم يعلمون ذلك ولا يجهلونه . قال الإمام الألوسي « 1 » : « وَأُخَرُ نعت لمحذوف معطوف على آيات أي « وآيات آخر » . ووصف أُخَرُ بقوله سبحانه : مُتَشابِهاتٌ وهو في الحقيقة صفة لمحذوف أي « محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها على بعض في استحقاق الإرادة » ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للاحتمال أو لأن ظاهره التشبيه . فالتشبيه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول . . وعليه يكون التشابه مجازا أو كناية عما لا يتضح معناه » . 3 - ليس هناك نص في تعيين الآيات المحكمات والآيات المتشابهات : ومعنى ذلك أن معرفة المحكم والمتشابه مردها إلى ما قذفه الله تعالى من النور في قلوب الذين أوتوا العلم فأعطاهم هذه المعرفة ؛ ولذا اختلف المحكم والمتشابه بالنسبة للأفراد والعلماء بحسب دائرة علم كل منهم . فقد تكون الآية من المتشابه عند شخص ثم يعلم تأويلها ، فتصبح عنده من المحكم . وبالعكس قد تكون الآية محكمة ولكنها بالنسبة لمن يلتبس عليه معناها تكون من المتشابه . 4 - لا يعلم حقيقة تأويل محكمه ومتشابهه إلا الله تعالى : إن علم العالمين لا يتجاوز مرتبة الإمكان ولا يتعداها بحال ، وليس في وسع المخلوقات حصر تأويل نهائي لمعاني القرآن العظيم ؛ إذ أن علم المخلوقات مجتمعة في كل ما يربطهم بالله تعالى لا يبلغ كنه حقيقة آية من آيات الذكر الحكيم . وما علم المخلوق بالنسبة إلى كلام الخالق إلا كنسبة العدم إلى ما لا نهاية . ومعنى هذا : أنه لا نهاية للترقى في معرفة علوم الكتاب العزيز ، كما يعنى أيضا أن كل ما حرره العالمون من تفاسير لكتاب الله تعالى لا يبلغ قطرة بالنسبة لما حواه من العلوم ؛ ويعنى كذلك أن مرتبة الإيمان تقتضى تفويض علم حقيقة كلامه عز وجل إليه سبحانه . وهذا هو ما يقتضيه الوقوف عند لفظ الجلالة في قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ .
--> ( 1 ) الإمام الألوسي : روح المعاني 3 / 115 .